الخميس، 30 مارس 2017

أسلحة، جراثيم وفولاذ

قرأت مؤخراً عن جزيرة تقع جنوب غرب نيوزيلاندا لم أسمع بها من قبل، اسمها (تشاتام)، سكنها شعب بدائي مسالم، وتعرض للإبادة من قبل بني عمومته الأكثر تمدناً من نيوزيلاندا.. هذه باختصار قصة شعبيْ الموريوري والماوري اللذين كانا شعباً واحداً قبل أن يهاجر قسم منهم إلى الجزيرة الصغيرة ويكوّن مجتمعاً صغيراً بدائياً استمر في الاعتماد على صيد الأسماك وجمع الثمار، بينما أتيحت الفرصة لبني عمومته لتكوين مجتمع أكثر تقدماً ولسوء الحظ أكثر عدوانية. تعبّر قصة إبادة الموريوري عن تجربة حقيقية حديثة نسبياً (1835م) تمثل تاريخ البشر المليء بالحروب والاستعمار ودور تنوع البيئات في اختلاف المجتمعات البشرية.
مازلت في بدايات قراءتي للكتاب الممتع (أسلحة، جراثيم، وفولاذ) الذي يبحث في أسباب تفوق مجتمعات على أخرى واستعمارها، لماذا استعمر الأوربيون العالم الجديد ولم يحدث العكس؟ لماذا امتلكوا الأسلحة والمعرفة قبل غيرهم؟ وهل تصح الادعاءات بأنهم جنس بشري أرقى وأكثر ذكاء، أم أن أسباباً بيئية وجغرافية بحتة هي التي أدت لهذا التفوق؟
مما زاد فضولي للاستمرار بقراءة الكتاب، تسليطه الضوء على مجتمعات بولينيزيا وجزر المحيط الهادي النائية الساحرة بجمالها ولا نعرف عن شعوبها وتاريخها أي شيء تقريباً، اتخذها المؤلف كنموذج لدراسة تأثير البيئة والجغرافيا على مصائر المجتمعات، كون هذه الجزر أحدث الأماكن استيطاناً ومتنوعة بيئياً، وهي صغيرة الحجم وبالتالي تكون بداية جيدة لفهم الصراعات الكبيرة والقديمة.
تتناول كتب التاريخ الأحداث عادة ابتداءً من أول الحضارات الإنسانية التي عرفت الكتابة وتركت آثاراً وتراثاً، حضارات بلاد الرافدين والفراعنة والصينيين وما بعدها.. ولكن ماذا عن ما قبل هذه الحضارات، أليس له أي دور فيما نعيشه اليوم؟ ألا يستحق تاريخ امتد لعشرات الآلاف من السنين اهتمامنا وفضولنا العلمي؟
يتحدث كتاب (أسلحة، جراثيم، وفولاذ) عن التاريخ الكبير للبشرية، منذ بدايات الجنس البشري في قارتنا الأم أفريقيا، وتوالي الهجرات إلى آسيا وأوروبا وشرق آسيا وأستراليا وأمريكا، ويتناول تطور المجتمعات البشرية من أبسط أشكالها (الصيد والجمع) حيث اعتمد على صيد الفرائس وجمع الثمار والتنقل إلى مناطق أخرى.. ثم التطور إلى مجتمعات الزراعة وتدجين الحيوانات، وانتهاءً بالقرى والمدن التي تتميز بتخصص الأفراد وتقسيم المهام وبالتالي التفرغ للاكتشاف والابتكار والإبداع.
أحد الأسئلة التي يحاول أن يجيب عنها المؤلف: لماذا تطورت مجتمعات في أنحاء من العالم دون الأخرى، أو سبقتها بقرون طويلة؟
بإمكاننا بسهولة البحث عن إجابة تساؤلاتنا حول المنتصر في أي معركة تاريخية مثلاً، ولكن هل توجد إجابات جاهزة عن أحداث ما قبل 6000 سنة ورجوعاً إلى 150 ألف سنة تقريباً من تاريخ البشر؟ كيف تعامل أجدادنا مع أخطار الحياة البرية؟ كيف نجوا من عصور ثلجية متعددة؟ كيف تسيدنا على بقية الحيوانات؟ كيف ومتى انتشرنا في أرجاء الأرض؟*
هنالك الكثير من الأسئلة التي لا نجد لها جواباً واضحاً في كتب التاريخ، ولكن فضول الإنسان لم يستسلم وأخذ العلماء يبحثون في الآثار المدفونة وطبقات الأرض للبحث عن قصص وملاحم لم تسطّرها الكتب.
هذا الفضول الفطري من المؤسف أن يتوقف عند الكثيرين بدوافع دينية وهمية، البحث العلمي يجب أن لا يتوقف عند أي حد، فلولا هذا الفضول العلمي المطلق لما وصل البشر لهذا المستوى المبهر من التقدم العلمي والطبي والتكنولوجي، ولتوقفوا عن البحث بحجة أن "الله خلقه هكذا"، أو "دلّ من النصوص الدينية غير ذلك". لا ينبغي للمؤمن أن يضع بعض الاكتشافات العلمية والتاريخية في موضع صراع مع الدين فالنصوص الدينية لم تكن أبداً لغايات علمية وكلنا نعلم أن أكثر النصوص الدينية قابل لأكثر من فهم وكثيراً ما تم التراجع عن تفسيرات دينية بعد تبيّن خطأها..
لا تضع أي حد لمعرفة تفاصيل هذا العالم الجميل الذي نعيش فيه، فلو شاء خالقه لجعله بلا أدلة.. خالٍ من البصمات التي قادتنا لكل هذه الاكتشافات العلمية والتاريخية!

==
هامش:
*إن كنت مهتماً بإجابات هذه الأسئلة وأمثالها فأنصحك بقراءة كتاب (تاريخ الأحداث الكبرى) لسينثيا براون.

الجمعة، 24 فبراير 2017

Black Mirror

·       أولاً دعني أطمئنك بأني هنا لن أحرق عليك شيئاً من المسلسل، ولكني سألخص فكرته بشكل عام والأسباب التي دفعتني للكتابة عنه.
·       هذه سابقة أن أكتب موضوعاً خاصاً عن مسلسل أو فلم فالعادة أكتفي بتغريدة أو اثنتين، والسبب هو أن المسلسل مجهول عن أغلب متابعي الأعمال الفنية الأجنبية وبرأيي أنه يستحق تسليط الضوء عليه أكثر من غيره.
·       المسلسل بريطاني الإنتاج، والبريطانيون إن كانوا فاشلين نسبياً في الأفلام السينمائية فإنهم مبدعون وناجحون في الكثير من المسلسلات التلفزيونية، مثل:
Game of Thrones, The Night of, Outlander, Sherlock, Taboo
·       كلمة "مسلسل" غير دقيقة، فكل "حلقة" منفصلة تماماً عن الأخرى، كأنها فلم مركز ومضغوط مدته ساعة تقريباً، فلم من غير مقدمات وتفاصيل مملة وغير مهمة.
·       تشترك جميع الحلقات بأنها تدور حول التكنولوجيا الحديثة والمستقبلية، تبعاتها على حياتنا، ونتائجها التدميرية، الحقيقية منها، والخيالية.. على الأقل حتى اليوم.
·       عندما أقول نهاية ومآل مأساوي للتكنولوجيا المستقبلية فلا أعني انعزال الناس وانقطاع العلاقات وانتشار الأمراض النفسية والاجتماعية.. لا! المسلسل ينظر إلى سيناريوهات مستقبلية خيالية، وأيضاً حقيقية ولكنها فوق هذا التصور.
·       بعض الحلقات تدور حول تكنولوجيا موجودة حالياً كوسائل التواصل الاجتماعي، ولكن الأغلب حول تكنولوجيا حديثة لم يطرأ الكثير منها حتى في خيالك.
·       في المسلسل الكثير جداً من المبالغة السلبية والسوداوية، ولكنها تلمس مواضع الألم فيما يخص التكنولوجيا الحالية التي سرقت من حياتنا وحقيقتنا بما فيه الكفاية، والمستقبلية التي لا نستطيع أن نرسم لها أي حدود. الكاتب جريء جداً في الخيال والتصورات.. وفي تقزيز المشاهد بالأفكار المريضة السوداء. أعتبر النصوص مزيجاً من الإبداع والجرأة والأمراض النفسية في الكاتب!!
·       تصنيف المسلسل: دراما، خيال علمي، إثارة. تقييمه في آي أم دي بي: 8.9.
·       الممثلون في المسلسل مختلفون في كل حلقة، لا يوجد أبطال وشخصيات ثابتة.
·       سر تسمية المسلسل (المرآة السوداء) هو الانعكاس الأسود الذي تراه على شاشة التلفاز عند إطفائها.
·       الحلقة الأولى (التي يفترض أن تكون الأقوى، والدافع لمواصلة الحلقات) تبين لي لاحقاً أنها الأضعف والأقل إبداعاً مقارنة بالحلقات اللاحقة.
·       أجمل ما فيه هو الغموض في البدايات، وعنصر المفاجأة، والتنوع إلى أقصى حد بين كل حلقة وأخرى.
·       الموسم الأول من المسلسل بدأ في 2011، لذلك توقّعْ شيئاً من تطور الإخراج في المواسم اللاحقة.
·       تم الانتهاء من 3 مواسم حتى الآن بمجموع 19 حلقة مقّسمة من غير تساو على المواسم، وبانتظار الموسم الجديد المتوقع عرضه شهر 10 من المنتج نتفلكس.
·       إن كان يهمك: المسلسل يعتبر نظيفاً جداً مقارنة بـ قيم أوف ثرونز، و وست ورلد.


إن كنت لا تمانع بلمحة تشجيعية عن أفكار الحلقات (لا تحتوي على حرق للحلقات)، فإليك هذه الأمثلة:
·       يقوم مجهول باختطاف أميرة بريطانيا المحبوبة، ويصورها بمقطع لتطلب من رئيس الوزراء تصوير مشهدد مقزز بشكل مباشر وعلني، في مقابل الإفراج عنها.
·       تكنولوجيا مستقبلية تسمح لنا بتخزين كل ما نشاهده في حياتنا وإعادة عرضه لنا وللآخرين.
·       تستيقظ امرأة من النوم مرعوبة، وتخرج من البيت لترى نفسها مطاردة من مجهولين يحاولون قتلها، بينما يقوم أغلب الناس بالمشاهدة والاستمتاع بتصويرها فقط!
·       في المستقبل تشاهد في عدسات الكترونية كل شخص أمامك مع تقييم (درجة من 5) بناء على تقييم الآخرين له، وبالتالي يتمتع كل شخص بمزايا وتعامُل من الآخرين حسب تقييمه الظاهر للجميع.
·       عصابة تقوم بتصوير الناس من خلال كمبيوتراتهم وابتزازهم لتنفيذ أهدافهم.
·       ... وأفكار أخرى متنوعة لا أستطيع الكتابة عنها بسبب غموضها الذي لا يتكشّف إلا في نهايات الحلقات.

·       المسلسل جعلني أتساءل: لو شاهد التكنولوجيا الحالية شخص عاش قبل 200 سنة وأكثر، هل كان سيستغرب منها أكثر مما شاهدناه في المسلسل؟!


·       في الختام، إذا كنت تبحث عن مسلسل يرفع من معنوياتك ويعدل من مزاجك فأنت تبحث في المكان الخطأ فهذا المسلسل سوداوي وبائس وليس من النوع الذي يكافئك بضحك وتفاؤل! ربما يكون من الجيد إلحاق كل حلقة بحلقة قصيرة من مسلسل كوميدي لتحقيق بعض التوازن!

الخميس، 2 فبراير 2017

برد الكويت وبرد كندا

بما أن موجة برد شديدة تمر علينا هذه الأيام، وحسب بعض مصادر الوتساب فإنها ستصل إلى تحت الصفر بدرجات! فقد خطر علي أن أكتب عن ذكرياتي في موسم الشتاء الذي قضيته في مقاطعة ألبرتا في كندا، حيث تصل الحرارة إلى -36 سيليزية!
·       أولاً يجب أن أقول أن البرد كريه وبغيض، سواء كانت +10 درجات أو -36، ولكن كلما احترمته وأعطيته حقه كلما كان الوضع قابلاً للتحمل والتأقلم.
ملاحظة: لم أمرض طوال شهور الشتاء في كندا، ولكني مرضت في أول يومين في الكويت في إجازتي الشتوية!
·       في كندا، كان علي أن أشتري كل شيء ليناسب درجات الحرارة تلك، البنطرون والبوت والجاكيت والقفازات.. كل شيء يجب أن يكون مكتوب عليه -30 أو -40 حتى تطمئن على حياتك!
·       تطمئن على حياتك أعنيها حرفياً، لأن البرد هناك قاتل وحارق، أخبروني زملائي وأروني صوراً لحوادث "قضمة الصعيق" عندما ينكشف الجلد لفترة طويلة (وبالذات الأذن والخد لأن مجرى الدم فيها أقل) فيسودّ الجلد ويموت. "لا أنصحك أن تبحث عن هذه الصور في غوغل!"
·       عندما أستقيظ من النوم صباحاً (طبعاً صباح مظلم لأن النهار قصير جداً في الشتاء، أذهب للدوام مع طلوع الفجر وأغادره مع غروب الشمس)، المهم مع استيقاظي وقبل كل شيء، أقوم بتشغيل السيارة مع الدفاية على أقصى درجة وأقصى قوة مروحة، وأحياناً أجد في المقعد جنبي بطل ماي أو ببسي متجمد 😁.
·       عندما أصل لمواقف السيارات في الدوام، ولفترة لا تتعدى الدقيقة بلا قفازات، علي أن أفتح غطاء مكينة السيارة لأركب وصلة كهربائية من خزان زيت المكينة (مزود هناك بسخان كهربائي) والطرف الآخر بـ"بلاك" كهربائي أمام كل موقف سيارات.. حتى نتجنب تجمد زيت المكينة خلال الـ8 ساعات عمل.
خلال هذه الدقيقة بلا قفازات، تكاد يدي أن تتخدر وتتيبس من شدة البرد.
(الصورة من غوغل)
·       أما بنزين السيارة فلحسن الحظ لا يتجمد، ومع ذلك تبيع محطات البنزين سائل يضاف للبنزين للتأكد على المحافظة على الحالة السائلة.
·       بمجرد أن تطفئ دفاية السيارة وخلال بضع ثوان، يغزوك البرد مثل شبح.. تقريباً نفس صيفنا إذا أطفأت التكييف.
·       كل سيارة يجب أن تكون مزودة بحقيبة صغيرة للطوارئ في حال تعطلت السيارة في مكان معزول أو غرزت في كومة من الثلج، تحتوي على أعواد ثقاب للتدفئة، غطاء للتدفئة الإضافية وأشياء أخرى.
·       عدة الشتاء تشمل أيضاً: شبل لرفع الثلج، عصاة لإزاحة الثلج من زجاج السيارة، أملاح لإذابة الثلج المتيبس، سائل يضاف للماء الذي يستخدم في تنظيف زجاج السيارة (إياك أن تنسى إضافته.. وإلا فعليك تخيل النتيجة).
·       تحتاج السيارة إما لإطارات خاصة بالشتاء أو تلك المزودة بسلاسل (سمعت بها ولم أرها)، أو إطارات جميع المواسم الخاصة، وهي جيدة ولكن تحتاج لحذر شديد وخاصة أثناء البريكات، البريك القوي يتسبب حتماً بالانزلاق، ولذلك يُنصح ببريكات متقطعة لتجنب ذلك.
·       شخصياً تعرضت للانزلاق أثناء القيادة بعض المرات، ولكن بسبب الاحتياطات بعدم الإسراع وترك مسافات، تجنبت الحوادث ولله الحمد.
·       أذكر الليلة التي قدت من مدينة إدمنتون إلى مدينتنا رد دير ليلاً، حيث شاهدت 10 سيارات تقريباً انجرفت (وغرزت بالثلج) يميناً وشمالاً على مدى الـ150 كيلو.
·       كانت الحكومة تعتني بالطرق جيداً، تأتي الشاحنات لرش الأملاح المذيبة، ولكنها غير كافية لتنظيف الشوارع عند هبوب الثلج بشكل مستمر لأيام.
·       إذا تنبأت الأرصاد بارتفاع الحرارة فوق الصفر، فهو الخبر السيء بالنسبة للكنديين! لماذا؟ لأنه يعني ذوبان الثلج على سطح الأرض، ثم تجمده مرة أخرى مع البرودة، وبالتالي تكوّن جليد صلب صعب التنظيف على عكس الثلج الناعم.
·       مسؤولية كل أصحاب البيوت أو مستأجريها تنظيف الثلج من أمام الكراجات والممشى العام أمام كل بيت، ففي حالة إصابة أي شخص لازلاقه بسبب عدم تنظيفي للثلج، فإنني سأتحمل تعويضه حسب القانون.
·       مع كل هطول للثلج كان علي استخدام شبل الثلج (مجرفة) لإزالة الثلج من الطريق ورميه في حديقة البيت الأمامية التي سيصل ارتفاعها إلى متر ونصف من الثلج المتكدّس مع نهاية الموسم.. كان الألم الحقيقي هو إزالة الطبقة السفلى اليابسة التي تحتاج تكسير بطرف الشبل الحاد.. طبعاً كلما تهاونت وتأخرت وماطلت في التنظيف، كلما كانت هذه الطبقة أكثر سمكاً. حرفياً كنت أتعرق عند درجة حرارة -30!
·       أما السنومان (رجل الثلج) الذي نراه في الأفلام والصور فكلها فوتوب شوب 😝 الصراحة حاولت ولكن الموضوع يبيله تعب ومزاج وخبرة.. والجو ما يساعد.
·       البردي عندهم مختلف عن الذي عندنا.. عندنا مثل حجارة من سجّيل، أما عندهم فهو صغير الحجم ولطيف جداً، يأتي مع أمطار بداية الصيف أحياناً.

·       الجائزة والتعويض مقابل هذا البرد.. ظواهر طبيعية جميلة، مثل الشمس المزدوجة، الشفق القطبي، تجمد الأغصان، وتجربة رش الماء المغلي!
(بالنسبة للصيف في الكويت فالجائزة يوم القيامة بإذن الله)
الصورة ↑ لمصور محترف، للشفق الذي شاهدته
الصورة ↑ من غوغل
تجربة رش الماء المغلي في جو -24 مئوية
استعمل هذا الرابط إذا لم يعمل الفيديو:
https://instagram.com/p/ioVi4QITW6/

الخميس، 25 فبراير 2016

ذكريات الغزو والتحرير


بالتأكيد لن تكون ذكريات طفل بالسابعة من عمره مهمة ومثيرة كمذكرات رجل راشد عاش تلك الأيام وأدرك تلك الأزمة والمأساة بجميع تفاصيلها، ولكنها تعكس جوانب مهمة وستظل محفورة في ذاكرتي إلى الأبد.

·       أول أيام الغزو، كنا في الدور الأعلى من المنزل في منطقة الدسمة، كانت الهلكبترات تحوم في سماء الكويت، كانت قريبة جداً لدرجة أننا كنا نلوح بتحيتهم (جاهلين هويتهم طبعاً) ونراهم يلوحون لنا.. أو هكذا تخيلنا!!

·       بعدها بقليل التقينا بأمي رحمها الله في الحوش لتخبرنا أن نلزم الحذر فهذا هو أخطر يوم في حياتنا!!

·       كانت تربطنا علاقة وثيقة جداً مع كل جيراننا، كنا حرفياً ومن دون مبالغة عائلة واحدة وبيتاً واحداً، ندخل ونخرج من بيوت الجيران وكأنها بيوتنا، بسبب أيام الأزمة تربطنا بجيراننا حتى اليوم علاقة أكبر من مجرد جيرة..

·       كأطفال لم نكن نشعر بالخوف! لا أتذكر قط أنني رأيت أبي وأمي مرعوبين سواء من الضربات التي نسعمها ونشعر باهتزازتها، أو من الطلقات النارية الحمراء التي نراها في السماء، أو أثناء نقاط تفتيش السيارات أو أيام تفتيش المنازل.. نجحا بكل كفاءة بإقناعنا بأن كل شيء على ما يرام. حاولا إقناعنا بأن النيران في السماء كانت ألعاباً نارية، والمخبأ الذي أعدوه من طاولة الطعام للاحتماء كان مجرد منزل –لعبة- للأطفال.

·       أتذكر أن الوالدين أحضرا لوحاً خشبياً، كان في الحقيقة باباً لأحد الكبتات ولونه قريب من الأبيض، قاما برسم خطوط علم الكويت وكنا نقوم بتلوينه، كانت مهمة شاقة بالتأكيد ولكن هل هناك طفل لا يحب التلوين؟! علمنا لاحقاً أن هذا العلم سيتم وضعه على سطح المنزل كإعلان ولاء لدولة الكويت ورفض الاحتلال العراقي.

·       في فترة من فترات الغزو، أقامت والدتي مدرسة مصغّرة في البيت كمحاولة تعويض لتوقف المدارس، وبمشاركة من أطفال الجيران. وفي أيام الحرب الأخيرة أذكر فترة أخرى من التدريس.. أتذكر بالذات كتاب (التربية الإسلامية) ودرس الأذان.. يبدو أن تعليم الأذان كان يتم في الصف الثاني الابتدائي.

·       كانت البقالات المنزلية رائجة آنذاك، وأذكر أن وانيت الجيران كان عبارة عن بقالة متنقلة أحياناً.

·       كانت أيام الغزو هي بداياتي مع الكرة، كانت تلك الفترة مثل معسكر تأسيسي تدريبي وتثقيفي أيضاً، حيث تعلمت أسماء اللاعبين والأندية والمنتخبات من ولد خالي.

·       شاهدت تعرض أبناء الجيران للسب والإهانة من قبل مجموعة من الأولاد الفلسطينيين***، كان موقفاً لا يُنسى لأن جارنا (كان في حوالي الـ16 من العمر) كان يتحمل القهر والإهانة ولا يستطيع الرد بسبب كثرتهم واستقوائهم آنذاك.

·       أذكر أيضاً تعرّض والدتي رحمها الله للإهانة والظلم من بعض الفلسطينيين في طابور الخبز.

·       نقاط تفتيش السيارات كانت أمراً اعتيادياً وفي الغالب تمر بسلام دون مشاكل، ولكني لا أنسى محاولاتنا دخول ضاحية صباح السالم (حيث بيتنا المستقبلي) والجنود قد أغلقوا المنطقة (مدخل قطعة 5/6 من الدائري السادس) ورفضوا السماح لنا بالدخول فأخبرهم الوالد بأن بيتنا هنا فكيف لا ندخل، وارتفعت حدة الكلام بين الطرفين انتهت بتهديد الجندي باستخدم الرشاش الذي كان بيده.

·       عندما سمعنا عن فترة تفتيش المنازل كان الجميع يترقب متى يأتي الدور على بيتنا، والحمد لله مر ذلك اليوم بسلام وعرفنا ذلك بعد استيقاظنا من النوم. تبين أن الجنود الذي فتشوا البيت كانوا "كيوت" نوعاً ما، ولم يأخذوا من المنزل سوى ككاو "مارس" الخاص بأخي سلمان!

·       كانت فكرتنا عن (صدام حسين) مشوشة، ففي الوقت الذي نسمع أنه سيء وشرير، كنا نتلقى الأوامر بعدم الحديث عنه بذلك.. طبعاً حتى (لا نييب العيد)!
ولكني أذكر أن دفتر رسومات أخي لم تخل من رسوم ساخرة من صدام.
وعلى طاري الرسوم، كانت الرسمة الوحيدة التي أجيدها في فترة الابتدائي بعد الغزو، هي رسمة لطائرة حربية كبيرة ودبابة وأعلام.. أتصور أن مدرس الرسم ارتفع ضغطه من تكرار تلك الرسمة!

·       أكثر مواقف الغزو إثارة وشجاعة.. كنا جالسين في المطبخ، في الفترة الأخيرة من الغزو حيث لا يخرج أحد من المنزل، رأينا شخصاً يتسلل من المنزل خلفنا ويمشي على السور، خرجنا جميعاً ودار حوار بالطبع لم أفهم منه شيئاً ولا أتذكر، ولكن علمنا أن هذا الرجل مطلوب وهارب من جنود الاحتلال، وكانت النتيجة أن طلبت أمي من أختي عباءتها، ألبستها للرجل الغريب، أتذكر نظرات أختي المرعوبة المصدومة، وأذكر أمي والرجل يغادران ويتواريان عن الأنظار، ثم عودة أمي بالسلامة، حيث أوصلت الرجل إلى مكان آمن.

·       كانت رائحة الجاز لا تفارقنا، وأعتقد أني ورثت حبي لرائحته حتى اليوم! كنا نستخدم السراي المحلي الصنع للإنارة، وهو عبارة عن بُطل زجاجي (قنينة)، وأنبوب رفيع كان يُفصل من ليتات البيت. أذكر أن خالي حميد (شافاه الله وعافاه) كان الخبير بصناعتها.

·       من مهارات "السحر" التي تعلمناها من أيام الظلام، أن يدك لا تحترق من لهب الشمعة عند إمرار يدك بسرعة، كانت هذه إحدى الألعاب المسلية النادرة في تلك الفترة، والآن أتباهى بها.. بعد 25 سنة أمام أطفالي!

·       يوم التحرير كان مميزاً، كان أبي يتابع الأخبار عبر الراديو، أتذكر مشاعر الفرح واللهفة المختلطة بالتشكيك بمصداقية الأخبار، أذكر تجمع الجيران أمام منزلنا، لا يزال هناك بعض القلق ممزوج مع الفرحة بتحرير الوطن، والفرحة بالخروج من المنزل أخيراً. أتذكر أمهات الجيران يحاولن منع الشباب من الخروج بالسيارة للاحتفال ولكن فشلت محاولاتهن..

·       أخيراً شاركنا كلنا في فرحة التحرير، تجمعنا عند الدائري الثاني (أمام موقع حسينية أمير المؤمنين حالياً)، خرجنا لنحيي قوات التحالف بمدرعاتها، كان جواً لا يصدّق، فرحة واحتفال بالجو الممطر.. كان للأعلام تواجد مميز، لا أعرف كيف حصلنا على تلك الأعلام.. أعلام الكويت وأعلام تحمل صور لاعبي منتخب الكويت، من يتذكر الأعلام التي تلتف داخل وخارج العصا البيضاء المجوّفة؟

·       منذ يوم التحرير، ابتدأت مع كل فتيان الكويت هواية جديدة ألا وهي تجميع الرصاص المنثور في كل مكان، كنا نجمعها بشغف ونتباهى بالرصاص المميز وبمضادات الطائرات!

·       من الأشياء المميزة التي جمعناها، الأكياس السوداء التي تحتوي طعام لأفراد الجيش بالإضافة إلى مستلزمات الطوارئ.. للأسف لم نحفظ منها شيئاً.

·       لحظة مميزة جداً في حياتي ومليئة بالمشاعر كانت يوم استقبال ولي العهد بابا سعد الله يرحمه، تجمعنا في شارع الخليج وحلّت لحظة مرور موكبه، بابا سعد الذي كنا نتغنى باسمه ونشأنا على حبه منذ الطفولة مع بابا جابر، لم يمر أمامنا فقط بل وحظيت بمصافحة يده! بالطبع لم يكن الأمر سهلاً فأمي هي من حملتني وطاولت يدي لتصافحه في سيارته.. كانت ردة فعلي هي الانهيار بالبكاء، لم أستوعب ولم يستوعب أخواني لمَ بكيت.. ولكني أدرك الآن أنها ردة فعل طبيعية جداً.

·       لا أذكر متى بدأت فترة انقطاع الكهرباء وكم دامت بعد التحرير، ولكنها كانت فترة طويلة والجميع عانى منها.

·       من الأيام المميزة يوم استقبال خالي أحمد الله يرحمه من الأسر، تجمعنا في مكان مليء بالحشود المنتظرة لأسراها، وقرّت أعيننا بلقاء خالي الذي فاجأنا بلحية لم نعهدها عليه.

·       تلقى الوالد حفظه الله شهادة تقدير من وزارة الكهرباء والماء للدور الذي قام به في مزاولة عمله وخدمة أهل الكويت وأنا أشعر بالفخر والاعتزاز لكل ما قام به.

·       كانت لتلك الأيام رائحة مميزة، رائحة دخان الحرائق ورائحة الجاز، وظلمة السماء التي استمرت لشهور.. أسافر ذهنياً عبر الزمن كلما شممت رائحة مشابهة.. رائحة الغزو والتحرير!

----
*** أرجو أن لا يفهم القارئ مني التعميم بالنظرة السلبية على الجالية الفلسطينية في الكويت، فهم ككل البشر منهم الصالح والطالح والمخلص والخائن، ولا تعبر مشاهداتي القليلة أيام الغزو إلا عن وقائع فردية لا تعبّر عن الكل بطبيعة الحال.